الدولة السلجوقية:
يرجِع أصل السلاجقة إلى القبائل التركية التي كانت تستوطن آسيا الوسطى واتجهت صوب غرب آسيا للفرار من هجمات المغول، ويُنسبون إلى جد لهم يُدعى سلجوق بن دقاق الذي دخل الإسلام هو وأفراد قبيلته وكانوا مُستقرين غرب بلاد الصين لكنهم انتقلوا من هناك بعد الحروب القائمة بين العديد من القبائل، ثم لجؤا لخراسان حيث أصبحوا تابعين للدولة الغزنوية.
عقِب وفاة سلجوق بن دقاق اشتدت قوة القبيلة العسكرية وأصبح الغزنويون ينظرون لهم على أنهم أصبحوا تهديداً وقاموا بأسر إسرائيل بن سلجوق وخلفه أخوه ميكائيل في زعامة القبيلة الذي عقد هدنة مع الغزنويين واستمر في تلك الفترة في جمع قبيلته وزيادة قوتها إلى أن مات في إحدى المعارك وجاء من بعده ابنه طُغرل بك. السلطان ألب أرسلان:
 |
| رسمة تخيلية للسلطان ألب أرسلان |
هو محمد بن جغري بك بن داوود بن ميكائيل بن دقاق بن سلجوق التركماني ولقبُهُ ألب أرسلان وهو ابن أخ مؤسس الدولة السلجوقية السلطان طُغرل بك، حيث اعتلى عرش السلطنة من بعده واستطاع السير على خُطاه في الدفاع عن راية الإسلام وإعلائها والجهاد في سبيل الله.
وُلِد السلطان ألب أرسلان سنة 1029 مـ وهو أحد أفضل سلاطين الدولة السلجوقية، تولى الحُكم بعد عمه السلطان طُغرل بك بعد أن كان أميراً وحاكِماً لخُراسان ولُقبِ بالسلطان الأكبر، وامتدت حدود الدولة السلجوقية في فترة حكمه من بلاد ما وراء النهر إلى أقصى بلاد الشام وكانت الدولة تعيش فترة شبابها في عهده.
عندما استلم السلطان ألب أرسلان الحكم واجهته بعض المشاكل والصعوبات منها تمرد بعضٍ من أقربائه على رأسهم أخوه سليمان وعمه قتلمش بن إسرائيل السلجوقي، وبدأ في قتالهم واستطاع هزيمتهم وإخماد نار العصيان التي كانت تُهدد استقرار دولته، كما كان وزير عمه طغرل بك واسمه أبو نصر الكندري من مُعارضيه حيث كان يرغب في أن يكون أخوه سليمان هو خليفة السلطان طغرل بك في الحُكم من أجل خدمة هدفه وهو التحكم في الدولة وإدارة أمورها بشكلٍ خفي.
واجه السلطان ألب أرسلان قتلمش بن إسرائيل مرة أخرى حيث كان هذا الاخير يرفض مبايعته على السمع والطاعة وتمرد عليه وأعلن نفسه هو السلطان، الشيء الذي اضطر ألب أرسلان إلى قتاله حيث القتيا في معركة بالقرب من مدينة الري وانتهت بانتصار ألب أرسلان ومقتل قتلمش بن إسرائيل.
اتجه ألب أرسلان بعدها إلى قتال الإمارات التركمانية التي أعلنت التمرد عليه، فقد ثارت عليه إمارة كرمان والعديد من الإمارات الأخرى لكنه نجح في قتالهم ونجح أيضاً في إفشال محاولة عمه بيجو بأن يستقل بحُكم إقليم هراة.
إنجازاته:
قِتال الدولة الفاطمية:
عندما استتبدت الأمور الداخلية في جميع أرجاء الدولة السلجوقية وأَرسَى حُكمه فيها بدأ السلطان ألب أرسلان رسم أهدافه الخارجية والتي كان أبرزها إسقاط حُكم الدولة الفاطمية الشيعية في مصر، كما كان يسعى إلى توحيد المسلمين تحت راية الخلافة العباسية التي كان ولائه لها رغم ضعفها في تلك الفترة.
وحاصر السلطان ألب أرسلان الدولة المرداسية التي كانت على المذهب الشيعي وأجبر حاكمها محمود بن صالح بن مرداس على الولاء للدولة العباسية بدلاً من الدولة الفاطمية، كما استطاع السلطان السلجوقي انتزاع بيت المقدس والرملة من الفاطميين بالإضافة إلى مناطق واسعة من الشام والعراق وأذربيجان وأرمينيا، وهو ما ضيق الخناق على البيزنطيين حيث شرعوا في مواجهته ونتج عن ذلك معركة ملاذكرد الشهيرة والتي انتصر السلاجقة فيها على الصليبيين. معركة ملاذكرد:
 |
| موقع معركة ملاذكرد على الخريطة |
تُعتبر معركة ملاذكرد واحدة من أهم المعارك التي حددت ملامح العالم الإسلامي وكانت فاصلة في تاريخه مثل معارك عين جالوت وحطين والعديد من المعارك الأخرى التي كانت لها نتائج إيجابية على العالم الإسلامي والتي دامت لعدة قرون.
كان النصر في معركة ملاذكرد بمثابة فتح باب الأناضول على مصراعيه في وجه القبائل التركية التي لم تكُن تعرف الإستقرار في تلك الفترة، وأعطى السلطان ألب أرسلان موافقته لكل زعماء القبائل بالغزو وأن كل من فتح أرضاً يستطيع أن يستقر فيها هو وقبيلته، ومن هنا بدأ تواجد الأتراك في الأناضول والتي تأسست منها إمبراطوريات عُظمى مثل سلاجقة الروم والإمبراطورية العثمانية. التوسع الجغرافي للسلاجقة:
كان السلطان ألب أرسلان يسعى لفتح البلاد الصليبية ونشر الإسلام فيها وما يترتب عن ذلك من توسعٍ جغرافي لدولته، وذكر ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ حيث قال: "ذكر فتح ألب أرسلان مدينة آني وغيرها من البلاد النصرانية" ويسرد مجموعة من المشاهد والقصص التي تدلل على كون الجهاد السلجوقي كان استراتيجية واضحة المعالم حينها.
فيقول ابن الأثير: "سار السلطان من الرّي إلى أذربيجان عازمًا على قتال الروم وغزوهم، فلما كان بمرند أتاه أمير من أمراء التركمان كان يُكثر غزو الروم اسمه طغدكين ومعه من عشيرته خلق كثير قد ألفوا الجهاد، وعرفوا تلك البلاد، وحثّه على قصد بلادهم، وضمِن له سلوك الطريق المستقيم إليها، فسلك بالعساكر في مضايق تلك الأرض ومخارمها" وهذا الخبر يؤكد أن التوسع السلجوقي لم يتوقف عند أذربيجان وإنما طال منطقة آني وقرص وهما العاصمتان القديمتان لأرمينيا والمركزان الأساسيان لقوة البيزنطيين ونفوذهم في الأقاليم الشمالية الشرقية من آسيا الصغرى والأناضول، ولم تتوقف الدولة السلجوقية عن فتح مناطق الدولة البيزنطية في بلاد الأناضول، وإنما امتدت في أقصى الشرق في وسط آسيا، وسار ألب أرسلان إلى مدينة جنَد معقل الأسرة السلجوقية وهي بالقرب من مدينة بُخارى في وسط آسيا، فاستقبله أميرها وهاداه، ودان إليه حكمها، وكانت هذه المدينة ذات أهمية خاصة عند السلاجقة قبيل قيام دولتهم لأن الجد الأكبر للسلاجقة مدفون هناك.
وفاته:
توفي السطان ألب أرسلان رحمه الله في الـ 29 من نوفمبر سنة 1072 مـ وكان قد تم اغتياله على يد أحد الخونة يُدعى يوسف الخوارزمي وخلفهُ في الحُكم ابنه ملِك شاه.
المصادر:
تعليقات
إرسال تعليق